فؤاد ابراهيم
94
الشيعة في السعودية
وكان السؤال المصيري المطروح حينذاك : ما العمل ؟ وكان السؤال يستهدف صنع رؤية لمستقبل بات مجهولا بل مقفلا في غياب نص غير قادر على الوصول إليه أو التعامل معه . وكان الواقع ينتج سؤاله الكبير بغية السير بمن هم قابعون فيه ، ولا بد من تفسير لما جرى قبل الانقطاع التام ، إذ لا سبيل إلى الأمام إلا بالحركة ولا حركة إلا برؤية ، ولا رؤية إلا بنص ومنهج . وكان السؤال خاضعا تحت وطأة الدلالات الخطيرة للغيبة الكبرى ، وأبرزها : - استحالة قيام الدولة الشرعية الإلهية ، وهذه الاستحالة تستمر منذ لحظة غياب الإمام المهدي إلى لحظة ظهوره . - احتجاب مشروعية دولة تقوم في زمن الغيبة ، باعتبار أن الشرعية - بحسب النص الديني الشيعي على الأقل - وثيقة الصلة ومقتصرة على الإمام وحده ، باعتباره مفوّضا من السماء حسب النص الشيعي الرسمي . لقد وعى علماء الشيعة السابقون هذه الحقيقة . لذلك نظّروا لمبدأ الانتظار ، على أساس أن إقامة الدولة الشرعية ليست من مسؤولياتهم . وهناك نص جلي للشريف المرتضى في ( الشافي في الإمامة ) يقول فيه « ليس علينا إقامة الأمراء إذا كان الإمام مغلوبا ، كما لا يجب علينا إقامة الإمام في الأصل . . ليس إقامة الإمام واختياره من فروضنا فيلزمنا إقامته ولا نحن المخاطبون بإقامة الحدود فيلزمنا الذمّ بتضييعها » « 25 » . وإذا كان الأمر كذلك ، فإن السؤال التالي والمشروع هو : ما العمل ؟ لم يكن الإفلات من السؤال القيدي ممكنا ، فنمط العلاقة التراتبية يفرض على المتكلم الشيعي تقديم إجابة مقنعة وشرعية ، لذلك بدأ متكلمو الشيعة التنظير حينئذ للعمل مع السلطة القهرية الغالبة ، إيذانا بالتسليم لسلطة الأمر الواقع ، وشرع فقهاء الشيعة الكبار الأوائل ، وخصوصا المفيد والمرتضى والطوسي ، في التأسيس ، بصورة استثنائية ، للبنى
--> ( 25 ) علي بن الحسين ( الشريف المرتضى ) ، الشافي في الإمامة ، ( طهران ، 1990 ) ، ج 1 ص 112